علي بن أحمد المهائمي

59

مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )

إنه تعالى ما ظهر شيء من مظاهر أفعاله إلا وقد احتجب به ؛ وذلك من إتقان صنعه وبليغ حكمته ، ولا يعني بالاسم اللفظ بل هو مدلوله ، وهو الذات الموصوفة ، وهذا معنى قول العلماء : الاسم : المسمى ، وأما تفاوت درجاتهم في تقريباته ، فهو أن العارف قد يتصف بأوصافه على قدر الطاقة البشرية ، وقد يفنى فيها وقد يفنى بها ، وقد يشاهدها وقد يشاهد الذات ، ويفنى فيها ويبقى بها ، ثم إنه قد يكون العارف في مقام التحقق « 1 » ، والفرق بينهما سيجيء ، ثم إنه قد يصير بدلا وقد يصير وتدا ، وقد يصير إماما قطبا ، وقد يصير فردا ، وقد يصير غير ذلك ، وبيان هذه الأشياء لا يتسع لها هذا الموضع ، ويدل على وضوح هذا التفاوت عند الوصول إلى منتهى شأو النفس قوله عليه وعلى أولاده السلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 2 » وذلك ؛ لأن النفس لا تعرف إلا بالوصول إلى منتهى شأوها ومنتهى أسفارها ، فيذهب حينئذ حجبها النورانية والظلمانية ، فتنكشف الحقائق كلها لصيرورتها مرآة كاملة الصفاء في مقابل المبادئ العالية المنتقشة بجميع العلوم والحقائق ، فافهم ترشد إن شاء اللّه تعالى . قال رضي اللّه عنه : [ وميز خاصته من بين الخلق بأن لم يجعل لهم غاية سوى ذاته من جميع عوالمه وحضرات أسمائه وصفاته ] . التمييز : هو النعت الرافع للالتباس والمراد هنا التخصيص ، والخاصة : هم الذين قطعوا المنازل حتى وصلوا إلى اللّه ، فإن لهم سيرا في اللّه وباللّه ومن اللّه ، ودونهم المتوسطون الذين قطعوا أكثر المنازل ، ودونهم المبتدئون الذين لم يقطعوا الأكثر . ويقال للأولين السابقون ، وللمتوسطين المقتصدون ، وللمبتدئين المريدون ، والخلق

--> ( 1 ) هو عند الطائفة عبارة عن رؤية الحق تعالى في أسمائه ، فإن لم ير اللّه كذلك فهو إما محجوب برؤية الكون عن العين ، وبرؤية الخلق عن الحق ، أو مستهلك في العين عن الكون . وفي الحق عن الخلق ، وهذا الشخص يفوته من الحق بقدر ما جهل من الخلق ، إذ لا يمكن أن تعلم أنه تعالى خالق ورازق حال فنائك عن رؤية المخلوق ، والمرزوق ، فمن لم يشاهد الاسم الخالق والرازق عند رؤية كل مخلوق ومرزوق ، فهو محجوب عن العين بالكون فلا يرى اللّه ، ومن لم ير اللّه فقد فاته المعرفة الحقيقية لكونه لا يشهد خالقا ورازقا ونافعا وضارا وغير ذلك من الأسماء التي لا تعرف إلا بشواهدها التي هي أعيان الكائنات الدالة على مكونها . [ اللطائف ص 125 ] . ( 2 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 208 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفا ( 2 / 343 ) .